افتتاح دار المخطوطات: تظاهرة علميّة وعالميّة

لم يكن يوم الخميس 29 من إبريل 2021 يومًا اعتياديًّا، فقد شهد حدثًا؛ حدثَ إعلان افتتاح (الدَّار) بعد مضي أربعة أشهر على تأسيسها؛ مطلع عام 2021م، في منطقة
تاريخيَّة في قلب إستانبول؛ هي منطقة السلطان أحمد؛ بل في قلب القلب، في مدرسته العريقة التي كانت دار الحديث في إستانبول، تحتضنها تربة السلطان أحمد ومسجد
آيا صوفيا والمسجد الأزرق.

وعلى الرغم من أهميَّة (الحدث) في ذاته؛ فإنَّه لم يكن وحده، فقد رافقته فعَّاليتان: إحداهما علميَّة، والأخرى تكريميَّة، ارتبطت الأولى بـ (يوم المخطوط العربيِّ) والآخِرة بالدكتور فيصل الحفيان مدير المشروعات بـ (الدَّار) ومدير معهد المخطوطات العربيَّة بالقاهرة (سابقًا).
يكتسب (الحدث) أهمِّيته من غير سبب: الرؤية التي تصدر عنها (الدَّار)، والموقع الذي تعمل فيه (إستانبول)، وآفاق الطموح التي رسمتها، والدعم العلميُّ الرفيع الذي يسندها ممثَّلًا بهيئة أمناء واسعة من (25) دولة عربيَّة وإسلاميَّة وأجنبيَّة، وانفتاح مشرَّع الأبواب على كلِّ المدارس والاتجاهات والطرائق التي تخدم التراث، هذا إضافة إلى الخبرات العالية التي جرى استقطابها لتدير حراك العمل.

وإذا ما ضممنا (الحدث) وما وراءه، إلى ما رافقه من فعَّاليَّات، فإنَّ يوم الخميس ذاك استحال تظاهرة تراثيَّة علميَّة عالميَّة، سنجد بعض مفرداتها في السطور التالية.

تضمَّنت التظاهرة ثلاث جلسات، تقدَّمها تلاوة مباركة من القرآن الكريم. خصِّصت الجلسة الأولى لمراسم الافتتاح، ترأَّسها د. فيصل الحفيان رئيس هيئة أمناء الدَّار، وخصِّصت الجلسة الثانية للاحتفال بيوم المخطوط العربيِّ، ترأَّسها د. محمود مصري المدير العام، وخصِّصت الجلسة الثالثة لتكريم الدكتور فيصل، مدير معهد المخطوطات العربية سابقًا، ومدير المشروعات في الدَّار حاليًّا، ترأَّسها د. عبد الحميد الهرَّامة عضو هيئة الأمناء، ورئيس مجمع اللغة العربية في ليبيا.

توزَّعت جلسة المراسم على شطرين، تضمَّن الشطر الأوَّل ثلاث كلمات، استهلت بكلمة المدير العامِّ لـ (الدَّار)، تلتها كلمة مدير وقف السلطان أحمد، ثمَّ كلمة المدير العامُّ لمعهد نور الهدى العالمي، وفي الشطر الثاني كانت كلمات عددٍ من أعضاء هيئة الأمناء: د. عبد الحميد مدكور من مصر، ود. عبد الصمد روميرو من إسبانيا، والشيخ حمدي أرسلان من تركيا، ود. محمد بن أبي بكر باذيب من اليمن.

رافق البرنامج ثلاثة عروض: الأول فيلم تعريفيٌّ بـ (الدَّار)، والثاني خاصٌّ بـ (يوم المخطوط العربي)، والثالث خاصٌّ بالمحتفى به الدكتور الحفيان.

المدير العامُّ لدار المخطوطات يستهلُّ الجلسة الافتتاحيَّة بكلمة حول تأسيس الدَّار

بدأ الدكتور مصري كلمته بتوجيه الشكر إلى معهد نور الهدى العالمي على تبنِّيه لـ (الدَّار) وإلى وقف السلطان أحمد الذي يحتضن (الدَّار)، ثم تناول ما حقَّقته مرحلة التأسيس من وضع الهيكليَّة الإداريَّة العامَّة وبناء أفكار المشروعات، ووضعِ الأصول المنهجيَّة والمعايير الضابطة التي ستسير عليها، ثم رسمِ خُطةِ العمل فيها مقترنة بالجدول الزمني، ثم المضيِّ قُدمًا في تنفيذ الخطوة الأولى في كلِّ مشروع، مبيِّنًا رؤيةً جديدة متميِّزة في كلِّ واحدٍ من هذه المشروعات.
واستعرض المنجزات في الأشهر الأربعة الأُوَل على مستوى المشروعات، وبيَّن أنَّ العمل يقوم على عدد محدود من الخبراء، وعلى الارتباط بشبكة خارجيَّة من عشرات الباحثين المتخصِّصين حول العالم.

وقال: إن عدد المشروعات التي تبنَّتها (الدَّار) في فاتحة انطلاقتها سبعة، أولها (الخزانة) التي تشتمل على مكتبة متخصِّصة من الكتب المطبوعة للباحثين في التراث وتحقيق المخطوطات وعلوم المخطوط المختلفة، ومكتبة رقيمة للمخطوطات، تحتوي بيانات المخطوطات وربط صورها على برنامج خاصٍّ، ومن المقرَّر أن تنجز هذه الأخيرة على خمس مراحل في خمس سنوات، وسوف تكون المكتبتان الورقيَّة والرقميَّة مفتوحتَين للباحثين في مطلع العام القادم إن شاء الله.

أمَّا المشروع الثاني: (موسوعة المخطوط العربيِّ) فقد نجزت ورقة المشروع، كما نجز البرنامج التنفيذي، والهيكل الإداري للموسوعة، والأدلَّة الإرشادية للكتابة، وبُدئ بمراسلة المستكتبين لإنجاز المجلَّد الأول الذي سيكون من حرف الألف إلى حرف الخاء.

وأضاف إنَّ المشروع الثالث هو “النشر التراثي“، وتحته عدَّة سلاسل موضوعيَّة، ثلاثة منها تتعلَّق بتحقيق النصوص؛ الأولى: فرائد شامية، تُعنى بنشر نصوصٍ لعلماء الشام. الثانية: قلائد عثمانية، تُعنى بنشر نصوصٍ لعلماء الدولة العثمانية. الثالثة: أوابد تراثية، تُعنى بنشر الكتب المهمَّة لاعتبار علميٍّ خاصٍّ، ولا تدخل تحت السلسلتين السابقتين. والسلسلة الرابعة بعنوان: (ألق) وهي مخصَّصة لذخائر القرن السابع من النصوص والدراسات المتصلة بهذا القرن الذي مثَّل قرن الازدهار في جميع علوم الحضارة الإسلامية. الخامسة: سلسلة النشر الإلكتروني التي تحمل اسم: التراث قضية، تعنى بالنشر الرقمي لجميع ما يتَّصل بالتراث تحقيقًا وتأليفًا ودرسًا. السادسة: سلسلة الدراسات التراثية التي تحمل اسم: روح التراث. السابعة: سلسلة علوم المخطوط. الثامنة: سلسلة تاريخ العلوم. التاسعة: سلسلة فهارس المخطوطات. والعاشرة: سلسلة منمنمات، تعنى بنشر الكتيبات صغيرة الحجم في موضوعات تراثية جزئية، أو تحقيقات صغيرة الحجم. وبيَّنَ أنَّ كلَّ سلسلة فيها الآن كتابٌ أو أكثر، في التحقيق أو التأليف أو المراجعة أو التنسيق الطباعي.

وبيَّنَ أنَّه جرى تحرير ورقة النشر، ووَضْعُ المراحل التفصيلية التي للكِتاب المرشَّح للنشر، سواء من داخل الدَّار أو خارجها.

وعن المشروع الرابع (الدوريات) قال: إنَّه سيصدر عن (الدَّار) حوليَّة موضوعيَّة باسم (أصول) تثير القضايا الكبرى والمهمَّة والحيويَّة في المخطوط، سواء كانت تاريخيَّة أو حاضرة، كما ستصدر دوريَّة رقميَّة نصف سنوية باسم (أثر)، ستكون مرصدًا للحَراك الدائر حول المخطوط في الدَّار والعالم.

أما المشروع الخامس فهو المؤتمر السنوي، وقد أشار إلى أنه سينتظم أيضًا في سلاسل موضوعيَّة، الأولى ستكون حول “مخطوطات القرن السابع الهجري”. وأعلن عن المؤتمر الأول بعنوان: “مخطوطات القرن السابع: علوم وأعلام”.

أما المشروع السادس فهو برنامج الإجازة في علوم الخط والمخطوط، حيث بيَّن أنه من المشاريع الرئيسة التي تهدف إلى توريث علوم المخطوط العربي للأجيال القادمة، ويجمع بين تقاليد العلم والتعليم في الحضارة الإسلامية، والمناهج الحديثة، وينتظم في أربعة أنواع من الإجازة تندرج تحتها مستوياتٌ سبعة.

أما المشروع السابع فقد اعتبره تتويجًا لجميع المشروعات السابقة، وهو: صناعة العلماء، الذي سيكون من خلال برنامج الإجازة السابق، ومن خلال مشاركة الباحث في جميع برامج الدَّار وأنشطتها ليكتسب المعرفة العلمية والخبرة العملية وصحبةَ أساتذة الدَّار، والعملَ في إطار توجيهاتهم، وبيَّن أن المشارِك سيستفيد من منحة الدَّار.

وختم بالإشارة إلى أن مشاريع الدَّار سوف تُرفَد بأنشطة علمية متنوعة جدًّا، منها على سبيل المثال الملتقى الفصلي لـ (الدَّار)، الذي سينتظم أيضًا في سلاسل موضوعيَّة متتالية، تبدأ بـ “عواصم المخطوطات العربية في العالم“.

مدير وقف السلطان أحمد يشارك بكلمة بمناسبة افتتاح (الدَّار)

وتحدَّث الأستاذ إسماعيل حقِّي طُومان حول أهميَّة وجود دار المخطوطات في المكان التاريخيِّ (مدرسة السلطان أحمد)، التي هي جزء من كليَّة السلطان أحمد، وكانت دارًا للحديث سابقًا، كما تحدَّث عن تأسيس وقف السلطان أحمد منذ أكثر من أربعين سنة لخدمة العلوم الإسلامية، من الكلام والعقائد والفقه وأصوله والمنطق والقرآن والقراءات واللغة العربية.

وبيَّن في كلمته أن المخطوطات علم وثقافة وحضارة، ستقوم الدَّار بخدمتها تحقيقًا ودرسًا، وعلى جميع المستويات، فما أجدر أن تكون دار المخطوطات في مركز الخلافة الإسلامية إستانبول عاصمة المخطوطات.

وختم كلمته بالشكر لأساتذة الدَّار الذين خدموا تراث المخطوطات على مدى عقود من الزمن، كما تقدَّم بالشكر لمعهد نور الهدى العالمي على دعمه للدَّار لتقوم في هذا المكان المبارك.

كلمة المدير العام لمعهد نور الهدى العالمي (SEEKERSGUIDANCE) بالمناسبة

كانت كلمة المدير العام لمعهد نور الهدى العالمي (SEEKERSGUIDANCE) الشيخ فراز الربَّاني؛ ختام مسك الجزء الأول من جلسة الافتتاح، وعرض فيها لأهمية الدَّار على مستوى الأمة عمومًا، ولـ (SEEKERSGUIDANCE) خصوصًا.

وبيَّن أنَّ اهتمام المؤسسة بتبنِّي (الدَّار) شجَّع عليه تخصُّص المؤسَّسة في جانب التعليم الإلكتروني منذ قرابة عشرين سنة، حتى أصبحت من أهمِّ المؤسسات عالميًّا في هذا المضمار، فالخدمات المختلفة للمخطوطات التي ستكون في الدَّار لا بدَّ من نقلها لطلبة العلم والمتخصِّصين في جميع أنحاء العالم، ومن هنا تأتي أهمية التعليم عن بعد في نقل الدورات التدريبية في علوم المخطوط، لمن يتعذَّر عليه القدوم إلى إستانبول.

وختم كلمته بالحديث عن الواقع المؤلم الذي يشهده تحقيق المخطوطات ونشرها، من جهة التقصير في تحقيق ونشر كثير من الكتب المهمَّة والكبيرة، ومن جهة سوء تحقيق ما يُنشر على وجه العموم.