(الدار) تنعى
محمد أحمد الدالي

لم يكن محمد أحمد الدالي عالمًا محقِّقًا فحسب، وإنما كان إنسانًا ذا قيم ثابتة لا يحيد عنها في حياته العامة والخاصة، ولعل هذه القيم الرفيعة التي سكنته إنسانًا قد سكنته محققًا، فنظر إلى النصوص على أنها كائنات حية لا تحتاج تحقيقًا فحسب، وإنما تحتاج إحياء، والإحياء أعلى من التحقيق، التحقيق يضبط النصوص، والإحياء يبث فيها الحياة.
إنّ دار المخطوطات إذ تنعى أبا أحمد، فإنها تنعى ركنًا شديدًا من أركان التراث العربي الإسلامي والمخطوطات وتحقيق النصوص، فقد عُرف الرجل بانتمائه للتراث وحبه للمخطوطات، وإمامته في صنعة التحقيق.
أجمع أهل الاختصاص على أنه بلغ الغاية في التعامل مع النصوص دقة وضبطًا وإتقانًا وفهمًا، وإنّ تراثه الثري كمًّا وكيفًا يشهد على ذلك ويدل على علو كعبه، حتى إنهم يعدونه امتدادًا لعلامة الشام أحمد راتب النفاخ، وأولى تلاميذه به.
تتعدد الأسباب والموت واحد، فهو قدر الله الذي لا مفّر منه، بيد أنّ السبب الذي يخطف كثيرًا من أحبابنا هذه الأيام هو (كورونا)، وقد أصيب الفقيد بها، فكانت قاسيةً عليه لم تمهله سوى أيام قليلة.
لقد فجعت (الدار) كما فجع أهل التراث جميعًا برحيلك أيها العالم اللغوي والمحقق الثبت، ولن نزيد، فالجميع يعرف زهدك في الألقاب، ورغبتك عن الضجيج والأضواء.
رحلت عن دنيانا أمس الأحد 16 من ربيع الآخر / 22 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، في بلدك مصياف التابعة لمدينة حماة السورية، وإننا لنعلم أن الخسارة بفقدك كبيرة، لكن الله تعالى قادر على أن يعوض التراث (محمد أحمد الدالي) جديدًا، ليس ذلك عليه بعزيز.